التصنيفات
رواية

مسلسل أحبك بجنون الحلقة 10 – حكاية زينة

هذه هي الحلقة رقم 10 من أصل 21 حلقة في رواية أحبك بجنون

أمطرت السماء بغزارة هذا النهار.
ولأن زينة وصديقتها كانتا مفلستين, اضطرتا للركض تحت وابل المطر, ولم تصلا إلى المينى الذي تسكنان فيه إلا وهما مبللتين بالكامل.
وانصرفت كل واحدة منهما إلى بيتها, ثم التقتا بعد ساعة في منزل زينة.
حضّرت الفتاة الشاي, ووضعت علبة المناديل الورقية بجوارها, ثم قالت لرفيقتها: انا لا أدري, أشعر بالريبة من هذا العرض.
“على العكس” قالت سمر: إنه عرض مطمئن. على الأقل سوف تضمنين العمل لثلاث سنوات متتالية. ثم إنها مؤسسة مهمة, وعملك فيها سيكسبك الخبرة التي تحتاجينها. أليس هذا ما كنت تطمحين إليه؟!
قالت لها: بلى.. إنما..
وارتشفت القليل من فنجانها: لو رأيت نظرات المدير.. لو كنت هناك وراقبتِ طريقة تعامله معي..
ولم تضف المزيد, فسألتها سمر: ماذا هناك؟! هل أزعجك؟! أتراه حاول التحرش بك؟!
ردت نافية: لا! لا! لقد عاملني بمنتهى الاحترام. لكن.. لكنه كان.. لا أدري.. ساحراً!
“ساحراً؟!” صاحت سمر وهي تبتسم: آه هو وسيم إذن؟!
“نعم, إنه وسيم, لكن ليس هذا ما قصدته.” قالت بجدية: عنيت أنه رجل مليء بالأسرار.. لقد وجدته غامضاً.. بصراحة أنا لا أعلم ماذا يريد مني..
فقالت ممازحة: آه لا تضخمي المسائل! لست باهرة إلى هذه الدرجة ليريد منك رجل في منصب هذا شيئاً. تواضعي يا عزيزتي!
فصفعتها بلطف وهي تقول: انت لا تفهمينني لأك لم تكون يهناك ولم تشاهدي تلك النظرة الغريبة التي كان يرمقني بها!
فقالت لها: بل أعلم جيداً ما معنى تلك النظرة.
“حقاً؟!” سألتها هازئة: وما معناها؟!
فأجابتها: إنها نظرة شفقة!
فغضبت زينة ورمتها بعلبة المناديل الورقية وهي تقول: أنت مزعجة حقاً!
كانت زينة فتاة رشيقة القد, جميلة الوجه, جذابة الملامح.
ولدت لأسرةٍ فقيرةٍ وعاشت بينها أياماً مليئةً بالحزن والعوز.
كان والدها حداداً, مدخوله بالكاد يكفيهم, وقد حاول جاهداً زيادته لتأمين حاجاتهم لكنه غالباً ما كان يفشل.
لذلك اضطرت والدتها للعمل في خياطة الثياب, عساها ترفع مستوى دخل الأسرة الصغيرة.
لكن الأوضاع لم تتحسن.
ومع هذا أصر الوالدان على إدخال الفتاة وأخيها على المدرسة, وعلى متابعة تحصيلهما العلمي بكثيرٍ من الاهتمام.
عندما توفي الوالد تحت تأثير صدمة كهربائية تلقاها خلال عمله, إزدادت العائلة فقراً, واضطرت الوالدة إلى زيادة ساعات عملها ما اثر بشكل واضح على صحتها.
في هذا الحين كانت زينة قد أنهت تحصيلها الجامعي, أما شقيقها رمزي فكان قد بدأه.
كانت زينة مرهفة الاحساس, عطوفة, رحومة, لكنها لم تكن ضعيفة مطلقاً.
الفقر علمها القوة والصبر!
الفقر أيضاً زادها إيماناً بالله, وتقرباً إليه.
كانت تبتهل مساءً للخالق بكلمات صادقة نابعة من فؤادها النقي:
يا الله.. يا ربي.. يا رب المشرق والمغرب.. أؤمن بأنك موجود.. وأن رحمتك بلا حدود.. يا الله.. يا رحمن.. يا رحيم.. يا كريم.. أحسن إلينا.. إشملنا بعطفك وجودك وكرمك.. واجعل غدنا أفضل.. آمين.
أن تكون فقيراً يعني أن تكون محروماً من أشياء كثيرة تشتهيها ولا يمكنك الحصول عليها.
لعبة,, تذكرة للسينما أو المسرح.. نزهة على شاطئ البحر.. رحلة مدرسية.. ثوب للعيد.. حذاء لامع جديد.. خاتم أو سوار ذهبي.. كتب جديدة.. حقيبة مدرسية جديدة.. فاكهة كل يوم.. كوب حليب كل صباح.. قالب حلوى في عيد ميلادك.. سيارة توفر عليك أزمة المواصلات الخانقة.. منزل يأويك ويسترك ويقيك عيون الناس وأذاهم.. سرير مريح يحتضنك مع أحلامك وطموحاتك وخرافات المستقبل المختلف.
لكن أن تكون فقيراً لا يعني أن تكون تعيساً محروماً من البسمة والأمل.
لقد كانت زينة تفتقد كل تلك لكن ثغرها أبداً لم يمل من الابتسام, وروحها لم تكف عن التفاؤل والحلم, ونفسها تحدثها دوماً أن غداً سيكون يوماً آخر..
لقد عاشت الفتاة نبضاً مرحاً, سعيداً, على الرغم من كل هذا الوقع المأساوي المحيط بها.
لقد كانت صاحبة أمل وطموح وعزيمة لا تفتر.
كل صباح كانت تقف أمام المرآة تتأمل نفسها, تسوّي جمالها بما تيسر لها من أدوات الزينة, ثم تقول: جميلة.. على ما أظن.
” بل جميلة جداً” تقول لها أمها: بصراحة الرجال لم يعد عندهم أي نظر.
فتدعي اللامبالاة وتقول: ومن قال إني أهتم!
كانت الفتاة كسواها.. تهتم.
وتضع في رأسها كل ليلة ألف صفة وشرط لفارس الأحلام الذي سيحظى بها. لكنها أحياناً كانت تشعر بمرارة.
وتتساءل..
من سيرغب بالارتباط بها وهي في هذا المستوى من العوز والفقر؟
وتتنهد..
ويزداد قلقها وألمها حين تتذكر مواصفات كل عريس تقدم لطلبها..
أولهم كان فقيراً معدماً وأسوأ منها حالاً, ثانيهم كان وسيماً كل الوسامة لكنه عاف المبادئ والأخلاق منذ طفولته, ثالثهم يكبرها بعشرين عاماً, ورابعهم متزوج ولديه أطفال ويريد لنفسه جارية ثانية, وآخرهم كادت ترتبط به لولا أن الشرطة قبضت عليه بتهمة السرقة.
كان العدد كبيراً نسبةً إلى قريناتها, لكن الرجل الذي كانت تبغيه وتراه في أحلامها لم يكن واحداً من القائمة.
واليوم, حين قابلت سامر لأول مرة شعرت بأنها تعرفه من قبل, وايقنت أن هذا الوجه مالوفاً وأن تلك الملامح ليست غريبة عنها.
وتساءلت حين وضعت رأسها على الوسادة هذا المساء أين تراها قابلته سابقاً؟
ولم تيقن الجواب.
فنامت ورأته في أحلامها.
الحقيقة أنها لم تشأ الاعتراف بأنه هو نفسه.. فارسها.

يتبع

بواسطة محمد عيد

كاتب ومطور مواقع ويوتيوبر في العالم الرقمي، جميع محتويات المدونة من ابداعي الخاص وأنشرها بنفسي في أوقات فراغي . أتمنى لكم إقامة ممتعة مع بنات أفكاري ^_^

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *