التصنيفات
رواية

مسلسل القصة القاتلة الحلقة 46

هذه هي الحلقة رقم 45 من أصل 75 حلقة في رواية القصة القاتلة

إستلقى عماد في سريره وراح يفكر بكل ما حدث معه خلال الأيام القليلة الماضية.
كان يذكر كل شيء بالتفصيل بدهشة وحيرة طفق يسترجع الأحداث الغريبة التي دخلت حياته والتي بدأت بزيارة المحامي له.
(فقال المحامي: عمك هذا يصغر والدك بسنتين، ومنذ طفولته برزت ميوله نحو ألعاب السحر والخفة.. وبالفعل تحققت مخاوف والديه حينما شبّ وامتهن أعمال السحر والشعوذة، ولم تكن هذه سوى البداية. ما لبث توفيق أن أخرج الشر الذي يملأ قلبه، فأعلن عدم إيمانه بالله، ووضع العديد من القواعد المقدسة لشخصه، ومارس أعمالاً شيطانية. لذلك نفر منه جميع أقربائه وأصدقائه وهجروه.
“هكذا إذاً !”

قال بدهشة: تبرأ منه الجميع وابتعدوا عنه. حتى أنهم لم يعتبروه موجوداً أصلاً، لأن أحداً لم يتحدث عنه أو يذكره أبداً !
فعلق المحامي: أظنهم كانوا يشمئزون منه ويهابونه. ربما كان مجرد النطق باسمه يزعجهم.)

تذكر عماد زيارته الأولى للقصر الذي ورثه والمفاجآت العديدة التي حملتها هذه الزيارة.
(لا أعلم كيف لم يخطر ببالي هذا السؤال قبلاً لكن.. كيف مات عمي ؟
سأله بدوره: هل يهمك هذا الأمر ؟

  • بالطبع

فأجابه بعد تردد: السيد توفيق مات منتحراً.
رفع حاجبيه دهشة وصاح: شنق نفسه ؟!
“بل أفظع من هذا !”
قال المحامي: لقد طعن نفسه بسكين حادة !

  • لا أصدق!

أكد له بقوله: حين تدخلت الشرطة للتحقيق بالأمر وجدت عشر طعنات في جسده.
“وكلها فعلها هو ؟!”
سأله مستغرباً: هل صدقت الشرطة أنه يمكن لانسان أن يطعن نفسه كل هذه المرات ؟!
فرد ببرود: حسناً، لقد فعل. كل الدلائل كانت تؤكد انتحاره. فالخادمتان كانتا خارج القصر حينها، والسكين كان يحمل بصمات أصابعه..
“هذا غريب !”
علق عماد: غريب حقاً !
ونظر إلى السماء، فوجدها ملبدة بالغيوم.
فتمتم قائلاً: العاصفة.. قادمة !)

تذكر حواره الاول مع الخادمة ريم حول عمه وشخصيته المنفرة.
(أومأ برأسه ثم حثّها على المتابعة بقوله: وبعد ؟ ماذا تعرفين أيضاً عن عمي ؟
أجابته بصراحة أثارت دهشته: لم يكن محبوباً. ربما لأنه كان شريراً.

  • شريراً ؟
  • نعم

قالت مؤكدة: السيد توفيق كان مخيفاً، قاسي القلب ويهين الجميع.

  • جميع من ؟
  • أقصد جميع من يعمل لديه.
  • وأنت منهم ؟
  • أجل.
  • ولهذا رحلت معظم الخادمات ؟
  • ربما.
  • ربما ؟ أتعنين أنه قد يكون هناك سبب آخر دفعهن للرحيل ؟!

تحولت ملامحها من الهدوء الى الاضطراب والقلق حين أجابت: في الحقيقة، تحدث في هذا القصر أشياء غريبة ومخيفة.
رفع حاجبيه دهشة وسألها بلهفة: مثل ماذا ؟!
“أصوات مجهولة المصدر، أشياء تتحطم دون سبب”
أجابته والغزع يطل من عينيها: روائح مقرفة تنبعث فجأة.. وأمور مشابهة..
لم يبدو مقتنعاً بكلامها أو متأثراً به، إذ قال بهدوء وفتور: والسيد ؟ ألم يكن لديه تبرير لهذه الأمور ؟
“آه أرجوك سيدي.”
قالت بنبرة شبه هازئة: االسيد توفيق نفسه أحد غرائب هذا القصر.
وأضافت: تصور أنه لم يكن يسمح لأحد بدخول غرفته ولا حتى للقيام بتنظيفها.
فعلق ضاحكاً: ربما كانت الرائحة النتنة تفوح من هناك !
وتابع مستطرداً: إشربي الشاي قبل أن يبرد.
فابتمت ونفذت أمره.
“لا بد أنه ..”
قال مازحاً: أراحكما بوفاته.
ما كادت تسمع عبارته حتى هبت منتصبة قائلة: ومن قال أنه مات ؟!)

تذكر عماد أيضاً دخوله غرفة عمه ورؤيته لمحتوياتها الغريبة والمخيفة، تذكر شعوره ورغبته الشديدين بالكتابة وكيف أن الأفكار كانت تهطل على رأسه كالمطر حتى تمكن من إنجاز معظم قصته في ليلته تلك ولم ينس بالطبع الكابوس الذي ما انفك يراوده منذ ذلك الوقت.
ومن زيارته الأولى للقصر انتقل عماد للتفكير بزيارته الثانية التي قام بها البارحة والتي لم تخل كسابقتها من الغرابة والغموض والمفاجآت.
(سألها مجدداً: أخبريني ريم ألا تغادرين القصر أبداً ؟
“مرة واحدة في الأسبوع”
أجابته: أقصد السوق في المدينة لشراء ما نحتاجه من أطعمة.

  • مرة واحدة فقط ؟
  • إنها كافية لشراء ما نحتاجه، ثم من الصعب مغادرة القصر إذا لم يكن لديك سيارة.. في كل مرة أرغب بالنزول إلى هناك أضطر للسير مسافة طويلة قبل أن أصادف سيارة أجرة.
  • هذا صحيح لقد سرتُ طويلاً المرة السابقة قبل أن أجد سيارة تعيدني إلى المدينة.

صمت قليلاً وقد بدى كأنه أدرك أمراً هاماً ثم قال: إذاً نقصدين السوق لتبتاعي حاجيات القصر ؟
أومأت برأسها وقد ارتسمت في عينيها علامات حذر.
“ومن أين تأتين بالمال ؟!” فاجأها بسؤاله: كما علمت توفي عمي منذ مدة ليست بالقصيرة، وما من أحد سواه ينفق المال على القصر أو حتى  يسكن فيه.. إذاً من أين جئت بالنقود ؟
بدى الارتباك واضحاً عليها حين قالت: في الحقيقة.. المال تركه لنا السيد.

  • كيف ؟!

أجابته متلعثمة: قبل وفاه بأيام سلم السيد توفيق مبلغاً كبيراً من المال للسيدة سعاد قال أنها ستحتاجه في حال غاب عنا لفترة طويلة.
“غاب عنكم ؟” تساءل بحيرة: هذا غريب.
وتابع قائلاً: أيعني هذا أنه كان قد اتخذ قراره بالانتحار مسبقاً ؟!)

تذكر عماد ما رآه نبيل على التلة الرملية في القصر..
(وأشار بإصبعه إلى تلة رملية في أرض الحديقة وهو يقول:
لقد كان هناك !
سأله بذهول: من هو ؟ ماذا هناك نبيل ؟! أنا لا أرى أحداً !
فقال صديقه بنبرة مضطربة: لقد كان رجلاً.. أو ما يشبه الرجل ! لقد كان يقف هناك. صدقني لقد رأيته !
“لكن ماذا تقول ؟!”
صاح مستنكراً: لا يوجد أحد هناك .
“بل على العكس”
قالت ريم وهي تدخل عليهما وتسمع كلامهما: ما يقوله صديقك صحيح سيدي.. يوجد شخص هناك.
“لكن”
قال بتفاجوء: كيف ؟ أنا لا أرى أحداً !
“إنه ميت!”
قالت بنبرة رنانة: تحت تلك التلة الرملية دُفن السيد توفيق.)

وتذكر طلب الخادمة سعاد العجيب حين اقتحمت غرفة الطعام وطلبت منه المغادرة بإلحاح
(فنهض عن المائدة مستأذناً ثم سار معها إلى الخارج لتقول له: سيدي أرجوك لا تسألني عن سبب ما سأقوله لك..
قاطعها بقلق: ماذا حدث سعاد تكلمي ؟
أصرّت على موقفها: أرجوك عدني أولاً.
فقال بنفاد صبر: حسناً أعدك لكن قولي ماذا هناك ؟!
فأجابته: أرجوك سيدي إصطحب صديقك وضيفك وغادروا هذا القصر في الحال.
“ماذا ؟!”
صاح بدهشة واستنكار: أتطردينني من قصري ؟! لكن كيف تتجرئين ؟!
“أرجوك إفهمني”
قالت متوسلة: عليك أن تغادر المكان. صدقني هذا لصالحك. عليك أن تغادر القصر قبل فوات الأوان. لا تنتظر للغد إفعل هذا الآن.. أرجوك.)

تذكر عجزه عن متابعة قصته أو إنهائها بسبب جفاف خياله وعدم قدرته على استنباط أحداث جديدة يختم بها قصته.
تذكر الحقيقة أو الحلم الذي رآه تلك الليلة . نزوله الى الصالة فإلى المطبخ وما صادفه من أحداث مرعبة كان أكثرها رعباً رأس كريم.
(هطلت دموعها بعدما استحال عليها كبتها أكثر، فاهتزت مشاعر عماد وقال بحيرة: لكن بالله عليك ماذا يحدث هنا ؟! ماذا يحدث في هذا القصر ؟!
“إرحل” أجابته بصوت خنقته الدموع: أرجوك أرحل ولا تعد، هذا أفضل للجميع.)
(رد معلناً بنبرة رخيمة:
السيد توفيق االزايد أي عمك.. لم يمت !
صاح بذهول: ماذا ؟!!
“الشخص الذي رأيته في الحديقة هو نفسه عمك”
قال مفسراً: صدقني .. لقد تأملت صورته طويلاً ثم قارنتها بصورة الشخص الذي رأيته من على الشرقة.. إنه هو.. توفيق الزايد..
صاح مستنكراً: لكن ماذا تقول؟!
“أقول لك”
رد مؤكداً: توفيق ما زال حياً !)
تقلب عماد في سريره وفي رأسه تدور ألوف الأسئلة..
كل شيء غريب وغامض.. القصر.. الخادمتان.. القصة.. أجل.. حتى القصة.. حتى هي تدور حولها أسئلة كثيرة..
(ماهذا الذي تقرأه بكل اهتمام ولا ترفع عينيها عنه ؟
فأجابه نبيل: لا أعلم حتى الآن..
وسار بضع خطوات نحوها ثم عاد أدراجه ليقول لصديقه: لن تصدق ! كل هذا الاهتمام والتأمل هو لقصتك !
“ماذا ؟!”
همس بتفاجوء: قصتي ؟!)
(“هذا غريب”
قال عماد: غريب حقاً.
“لقد راقبتها جيداً”
قال نبيل: إنها تنهي قراءتها ثم تعاود ذلك من جديد.
وأضاف هازئاً: لا أعرف أي نوع من الإعجاب هو هذا !
فعلق عماد ضاحكاً مفاخراً: إن قصصي تسلب الناس عقولهم.
فرد صديقه: ليس إلى هذه الدرجة !
أتم جملته، ثم توجه ناحية نورا، وعندما توقف أمامها، قال لها: هل أستطيع أن آخذ من وقتك الثمين دقيقة واحدة ؟
لم ترفع راسها بل لم تبد أي اكتراث به.
وهذا الأمر أثار غضبه، فوضع يده أسفل ذقنها ورفع راسها بهدوء، وهو يقول: ما بك ؟ ألا تسمعينني؟
هذه المرة تكلمت قالة ببرود: ماذا تريد ؟
“ماذا أريد ؟!” هتف بتضايق: آه نورا إنها المرة الخامسة التي تقرئين فيها هذه القصة !
صمت ليسمع رداً منها لكنها اكتفت بتكرار عبارتها السابقة: ماذا تريد ؟
“حسناً”
قال وانزعاجه في ازدياد: على الأقل أخبريني ما الذي يعجبك فيها لهذه الدرجة ؟!
أجابته بدون تردد: الشر !)
(سحب الجار شيئاً من جيب سترته ثم قدمه لنبيل قائلاً: هذا كل ما استطعت انقاذه.
رفع بصره ليرى ما تحمله يد الرجل فأصابه الذهول وهمس: القصة !
وهتف عماد بنبرة مماثلة: قصتي ؟!
“لا أدري لماذا أو ما الذي دفعني إلى حملها هي دون سواها” قال: لكني شعرت أنها على قدر كبير من الأهمية.
حملها عماد بين يديه وتأملها قبل أن يقول: لم يصبها أي تلف. لا تمزق ولا احتراق.. ولا حتى ذرة غبار !
فقال نبيل بنبرة غامضة: أضف إلى كل هذا أنها الوحيدة التي نجت !)
وقبل أن يغفو ترددت في أذنه عبارات الشيخ الغريبة
( لقد رأيت قصتك غارقة في الدماء)
(قصتك كادت تقتلني)

(الشيطان الرجيم في قصتك)

يتبع

بواسطة محمد عيد

كاتب ومطور مواقع ويوتيوبر في العالم الرقمي، جميع محتويات المدونة من ابداعي الخاص وأنشرها بنفسي في أوقات فراغي . أتمنى لكم إقامة ممتعة مع بنات أفكاري ^_^

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *